تقديم عام لمجزوءة الإنسان
إن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، إلا أننا سنركز على بعدين رئيسيين: بعد طبيعي وبعد ثقافي، وما سنتطرق إليه في هذه المجزوءة له علاقة بهذين البعدين وبأوجه التداخل بينهما.
إن الفلسفة منذ بداياتها الأولى اهتمت بموضوع الإنسان بل يمكن اعتبار السؤال: ما الإنسان؟ سؤالا مركزيا في مجال التفكير الفلسفي بحيث تتفرع عنه كل الأسئلة والإشكالات الأخرى. هكذا فمنذ العصر اليوناني القديم قال سقراط : " يا أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك "، وقد قدمت عدة تعريفات للإنسان؛ فقال أرسطو " إن الإنسان حيوان ناطق أو أنه حيوان سياسي " وقال شوبنهاور " إن الإنسان حيوان ميتافيزيقي"، كما قال إرنست كاسيرر Ernest Kassirer : "إن الإنسان حيوان رامز" ، كما نجد تعريفات أخرى للإنسان دون أن نعثر على تعريف جامع مانع لمفهوم الإنسان.
سنتناول في مجزوءة الإنسان بعض الخصائص الأساسية التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى، وأهم سمة تميزه هي سمة الوعي؛ فقد اعتبرت الفلسفة منذ القدم بأن الوعي هو الخاصية الجوهرية التي تميز الإنسان عن باقي الأشياء والكائنات الأخرى. فالوعي يصاحب كل أفعال الإنسان وأفكاره، وهذا ما يسمى بالوعي التلقائي. كما يرتبط الوعي بالشعور وبمجموع الأحاسيس التي تجري داخل الذات، وهذا ما يسمى بالوعي السيكولوجي. كما أن الوعي يتمظهر على مستوى الحياة العملية، فنتحدث عن وعي أخلاقي أو وعي سياسي مثلا. فللوعي عدة أشكال ومظاهر، غير أن الدراسات الفلسفية والنفسية وضعت الوعي موضع استشكال ونقد، واعتبرته غطاءا خارجيا لا يمثل سوى سطح الذات أو الجهاز النفسي، بينما يمثل اللاوعي الجزء العميق من الذات.
فما هو الوعي؟ وما علاقته باللاوعي؟ ومن منهما يتحكم أكثر في أفعال الإنسان وأفكاره؟ وهل يقدم لنا الوعي صورة حقيقية عن أنفسنا وعن الواقع؟
كما يعتبر الإنسان حيوانا راغبا؛ ذلك أن له حاجات بيولوجية غريزية مثله مثل الحيوانات الأخرى، لكنه يتميز عنها بالرغبة لأنه يسعى إلى تحقيق حاجاته بأشكال وفي أوقات مختلفة، وبحسب ما يريد.
وهذا يعنى أن الرغبة لها علاقة وطيدة بالإرادة والعقل . فكيف تتحدد هذه العلاقة؟ وهل يمكن الوعي بالرغبة ومعرفة الدوافع الحقيقية لها ؟
كما أن هناك غموض كثيف يكتنف الرغبة، فهي ترتبط بالأبعاد الأساسية للإنسان؛ بجسده، وانفعالاته الوجدانية، وإرادته العاقلة. هكذا فللإنسان رغبات وجدانية واجتماعية وجمالية وغيرها .
من هنا تحتل الرغبة مكانة هامة في حياة الإنسان، وتتجلى في مختلف مظاهر وأنماط عيشه. والغاية الأساسية من مختلف رغبات الإنسان هي تحقيق اللذة والراحة والبهجة. فما علاقة الرغبة بالسعادة؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون سعيدا بدون إرضاء جميع رغباته؟
والإنسان أيضا كائن اجتماعي بطبعه، فهو يميل إلى العيش مع الآخرين وفقا لمبادئ وقوانين وتشريعات، فما هو أساس الاجتماع البشري؟ و كيف تتحدد علاقة الفرد بالمجتمع؟ وكيف ينبغي أن تمارس السلطة داخل المجتمع؟
*******************************************
أولا: مفهوم الوعي واللاوعي
تأطير إشكالي للمفهوم:
يشكل الوعي سمة أساسية لوجود الإنسان، وخاصية مهمة لتحديد ماهيته وتمييزه عن باقي الكائنات، فالوعي وسيط ضروري بين الانسان وذاته وبين الانسان والآخر وبين الانسان والعالم، أي هو مجموع العمليات العقلية والنفسية التي تسمح له بفهم ذاته و فهم الغير، وفهم والعالم من حوله، ووسيلة لإنتاج المعرفة واكتشاف الحقيقة واستيعاب الواقع والسيطرة على العالم وتحويله لصالحه...كل هذا يجعل من مفهوم الوعي واحدا من المفاهيم الأساسية التي قامت عليها الفلسفة الحديثة في القرن 17 إلى حدود منتصف القرن 19، حيث قامت اتجاهات فلسفية معاصرة بوضع الوعي موضع شك وتساؤل من خلال توسيع دائرة الوعي ليشمل اللاوعي وإبراز التداخل بينهما في الذات الإنسانية: من هنا نتساءل: ما علاقة الوعي باللاوعي؟ وأيهما يحكم الذات الانسانية، الوعي أم اللاوعي؟ هل يمكن الاكتفاء بالوعي لفهم ذواتنا أم أنه لابد من الانفتاح على اللاوعي واللاشعور؟ هل الوعي هو أساس حياتنا الواقعية والاجتماعية أم أن الوهم هو الأصل؟
***********************************************************
تأطير إشكالي للمحور:
لقد اهتمت الفلسفة منذ بداياتها الأولى، لاسيما مع سقراط فيلسوف أثينا الأول، الإجابة عن سؤال مركزي يتمثل في تحديد ماهية الإنسان، وكانت إحدى الإجابات التي تم اقتراحها طيلة مدة طويلة من قبل الفلاسفة أن الإنسان كائن واع، غير أن هذا التحديد ليس بالبديهي والمطلق، لذلك، حاول البحث الفلسفي أن يوجه سهام النقد والتساؤل لهاته الخاصية الجوهرية التي هي الوعي، فكان من بين ما تم البحث فيه هو أساس الوعي، أي أساس وعي الذات لذاتها أولا، وللعالم الخارجي ثانيا، وخاصة إن كان الوعي مرتبطا بالفكر المجرد أم بالشعور الحسي، أم بالذاكرة أم بما هو عصبي فيزيولوجي. هذه الإشكالات هي ما سنحاول الإجابة عنها في هذا المحور، فهل يرتبط الوعي بما هو عقلي مجرد أم بالإدراك الحسي أم بالذاكرة أم ان الوعي يرتبطا أساسا بما هو عصبي فيزيولوجي؟
***************************
نص دافيد هيوم، ص 10
صاحب النص:
ديفيد هيوم : فيلسوف ورائد النزعة التجريبية، ولد يوم 7 ماي 1711م، وتوفي في غشت سنة 1776م. فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي، ووجه بارز في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي. من مؤلفاته : " رسالة في الطبيعة البشرية " " محاورات في الدين الطبيعي " .
إشكال النص:
كيف تتحدد علاقة الإدراك الحسي بالوعي؟ وكيف يلعب الإدراك الحسي دورا في تشكل الوعي؟ و هل تعد الحواس لوحدها، كفيلة بتكوين الوعي لدى الإنسان؟
أطروحة النص:
يرى ديفيد هيوم، بأن الوعي إدراك حسي، وشرط ضروري لحصول الوعي؛ لأنه لا يمكن للأنا، أن يعي ذاته، أو يشعر بها، من دون أن يتم ذلك، من خلال إدراك حسي ؛ فبزوال الإدراك الحسي والشعور، لا يمكن للوعي بالذات، أن يتحقق؛ بحيث أن الأنا، تغيب عن الوجود، ولا يبقى له أي دور .
البنية المفاهيمية:
الأنا: هي الذات الواعية والمفكرة.
الوعي: هو الإدراك الذي نكونه عن ذواتنا وعن كل ما يحيط بعالمنا الخارجي .
الإدراك الحسي: هو الوعي الذي يتكون نتيجة لحصيلة الخبرات والتجارب التي نتلقاها عن طريق الحواس .
علاقة الإدراك الحسي بالوعي والموت:
لابد من الإدراك الحسي لحصول الوعي، هذا الأخير نكونه من خلال حواسنا الخمس؛ ولأن الإدراك الحسي مرتبط بالوعي؛ فإنه بالموت يزول الوعي والإدراك .
البنية الحجاجية:
لإبراز وتوضيح أطروحته؛ اعتمد دفيد هيوم على أسلوبين حجاجين:
أولا : أسلوب الدحض والتفنيد
يتجلى ذلك من خلال دحضه؛ للتصور الذي تتبناه الفلسفة العقلانية، والتي تعتبر بأن الوعي شفاف ومباشر، وبأنه يقيني وملازم للذات، لكونه في نظرها يتسم بالثبات والاستمرارية .
ثانيا : أسلوب المثال
وذلك من خلال إيراده لمثال النوم و الموت، حيث بين بأن الإحساس يزول أثناء النوم الهادئ، أو الموت، وبزوال هذا الإحساس، يزول كذلك الشعور أو الوعي بالذات. وهذا يعني بأن الإحساس، له أهمية بالغة، في تحقيق الوعي بالذات وتشكله، وهو القول الذي تتبناه الفلسفة التجريبية، والتي يعد صاحب النص أحد أبرز روادها.
خلاصة:
في مقابل التصور الذي تتبناه الفلسفة العقلانية التي ترى بأن الوعي مجرد إدراك للذات، مرتبط بالفكر، تعتبر الفلسفة ذات النزعة التجريبية، بأن عقل الإنسان يولد وهو صفحة بيضاء، فالعقل لايتضمن أية أفكار، أو معارف فطرية -كما تزعم الفلسفة العقلانية- بل التجارب والخبرات التي يتلقاها الإنسان في حياته وحدها هي من تمنح للإنسان المعرفة وهي من تشكلها في ذهنه، مما يعني بأن الوعي، لا يحصل إلا من خلال التجارب الحسية، التي نتلقاها من عالمنا الخارجي، عبر حواسنا . فالوعي من منظور الفلسفة التجريبية، ليس إلا إدراكا حسيا مرتبطا بالشعور .
*****************************************
1.إشكال النص: ما الأنا؟ وما علاقة الوعي بالإدراك الحسي؟
2.أطروحة النص: الأنا حسب ديكارت هو ذات مفكرة وواعية، والتفكير عنده هو أساس وجود الأنا؛ فأنا موجود ما دمت أفكر، فإذا انقطعت عن التفكير انقطعت عن الوجود. والوعي عند ديكارت هو وعي ينكفئ على الذات ويتم داخلها ولا يحتاج إلى الحواس أو الإدراك الحسي.
الشك: عدم يقين يتميز بالتردد بين النقيضين. وفيه: شك طبيعي يصاحب غياب المعرفة اليقنية، وشك منهجي عابر ومؤقت، يعتبر وسيلة للوصول إلى الحقيقة (ديكارت- الغزالي)، وشك مذهبي (أو اللاأدرية) بموجبه يتم الشك في كل شيء، وتعليق الحكم لاستحالة بلوغ أي حقيقة نظرا لعدم كفاية الحواس والعقل بلوغ اليقين.
الوجود: تحقق الشيء في الذهن أو في الخارج ومنه الوجود الذهني والوجود المادي. ويقال بمعنيين: أحدهما كمصدر وهو الوجود، بمعنى فعل الوجود أو الوجود بالفعل. والثاني كاسم أي الموجود، وهو إما أن يكون الماهية الحاصلة على الوجود، وإما أن يكون النسبة التي تربط المحول بالموضوع في الذهن.
العلاقة بين المفاهيم: (الأنا والشك والتفكير والوجود)
موقف هيجل: النص ص 14
يتجلى الوعي لدى الإنسان في صورتين:
أ- صورة نظرية: وتتجلى في تفكير الإنسان وتأمله في ذاته أو في العالم الخارجي من اجل معرفتهما.
ب- صورة عملية: وتتجلى في تدخل الإنسان في العالم الخارجي الطبيعي والعمل على تحويل مراده من أجل إنتاج منتوجات ثقافية وصناعية.
هكذا فالإنسان يحقق ذاته في الطبيعة عن طريق الوعي العملي.
- إن الوعي يجعل الإنسان كائنا حرا، إذ يجسد حريته على الطبيعة من خلال الوعي العملي. هكذا يسعى الإنسان من خلال هذا الوعي إلى نزع الغرابة عن الطبيعة عن طريق امتلاكها ومعرفتنا، كما انه يجد متعة عقلية حينما يجد أن ذاته الواعية قد ارتسمت في العالم الخارجي. ولتأكيد هذه المسألة قدم لنا هيجل مثالا لطفل يرمي بالحجارة في بركة ماء فتحدث الحجارة دوائر على صفحة الماء فيعجب الطفل بها، كدلالة على تلك اللذة الفطرية التي يجدها الإنسان حينما يغير شكل الطبيعة ويحولها بحسب غاياته الخاصة.
بعض الأساليب الحجاجية:
المحور2: الوعي واللاوعي
الاشتغال على نص فرويد ص 16 (فرضية اللاشعور)
الاشتغال على نص غوستاف لوبون ص 18
تعليقات
إرسال تعليق