القائمة الرئيسية

الصفحات

 


 الشخص بوصفه قيمة 

1. الإطار الإشكالي لمفهوم قيمة الشخص

يتحدد الشخص، في المتن الفلسفي، بوصفه ذاتاً عاقلة وواعية، تملك القدرة على التمييز بين الخير والشر وتتحمل التبعات الأخلاقية والقانونية لأفعالها واختياراتها. إن قيمة الشخص تتجاوز مجرد العمليات العقلية المحضة لتشمل مكانته الوجودية والرفعة التي يتمتع بها داخل الجماعة.

بيد أن هذا المفهوم يضعنا أمام مفارقة فلسفية حادة؛ فمن الناحية النظرية، ثمة "مساواة أنطولوجية" تقوم على اشتراك جميع البشر في ملكة العقل، وهو ما يقتضي مساواة مطلقة في القيمة. غير أن الواقع التاريخي يكشف عن ممارسات تمييزية شتى تضرب هذا المبدأ، حيث تتفاوت القيم بناءً على الجنس (ذكر وأنثى)، أو اللون (أبيض وأسود)، أو المستوى المعيشي (غني وفقير)، أو المعتقد الديني (سواء كان الشخص مسلماً، مسيحياً، يهودياً، أو غير متدين). ومن رحم هذا التباين، نغزل الأسئلة الإشكالية التالية:

  • ما هو المصدر الحقيقي الذي يستمد منه الشخص قيمته ورفعته؟
  • هل تتأسس هذه القيمة على العقل الأخلاقي العملي بوصف الشخص غاية في ذاته، أم أنها نتاج الامتثال للقوانين والواجبات المؤسساتية؟
  • كيف يساهم الانفتاح على الآخرين والكفاءة في التعاون الاجتماعي والديمقراطي في صياغة قيمة الشخص؟
--------------------------------------------------------------------------------

2. الأطروحة الكانطية: القيمة الأخلاقية والكرامة المتأصلة

ينطلق إيمانويل كانط من تمييز جوهري بين "الظاهرة الطبيعية" وبين "الكائن العاقل الأخلاقي". فاعتبار الإنسان مجرد كائن طبيعي أو عقلاني أدواتي يمنحه قيمة "مبتذلة" مرتبطة بالمنفعة (كقيمة الأشياء المادية مثل المال أو السيارات). أما القيمة المطلقة والرفيعة، فتنبثق من كون الشخص كائناً عاقلاً أخلاقياً.

  • الغاية في ذاته: يشدد كانط على ضرورة معاملة الشخص دائماً كـ غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة لتحقيق مآرب أخرى. هذا الانتقال من "الوسيلة" إلى "الغاية" هو ما يمنح الإنسان كرامة داخلية لا تُقدر بثمن ولا تقبل المقايضة.
  • الكرامة: هي تلك الإنسانية الجاثمة في جوهر الذات، والتي تفرض على المرء احترام ذاته أولاً، وتلزم الآخرين باحترامها ثانياً.
  • الاحترام المتبادل: يتأسس هذا المبدأ كضرورة أخلاقية كونية؛ فمجرد وجود الشخص يفرض احترامه بفضل الكرامة التي يتمتع بها، بصرف النظر عن طبقته الاجتماعية أو مكانته الاقتصادية.
--------------------------------------------------------------------------------

3. الأطروحة الهيغلية: القيمة من خلال الاندماج الاجتماعي والواجب

خلافاً للتصور الكانطي المجرّد، يرى جورج هيغل أن القيمة الأخلاقية للشخص لا تتحقق في العزلة، بل تتجسد فعلياً داخل "جماعة الحياة" وعبر الانصهار في "روح الشعب". القيمة هنا ليست معطى قبلياً، بل هي حصيلة فعلية للاندماج في الفضاء العمومي.

  • المرتبة والوظيفة: يستمد الشخص قيمته من المرتبة الاجتماعية التي يحتلها ومن قيامه بالمهام والوظائف المسندة إليه داخل النسيج المجتمعي.
  • الامتثال والواجب: ترتبط القيمة بمدى امتثال الفرد للقوانين والواجبات؛ حيث يميز هيغل بين "السلوكات الخيرة الممثلة للقانون" التي تعلي من شأن الفرد، وبين "السلوكات الشريرة والمنافية للقانون" التي تحط من قدره.
  • الجدلية المؤسساتية: القيمة عند هيغل هي نتاج علاقة جدلية من التأثير المتبادل مع الآخرين، حيث المعيار الأخلاقي هو السلوك الصادر عن الشخص امتثالاً للواجب القانوني والأخلاقي، مما ينقل القيمة من حيز الذاتية إلى رحاب المؤسسات.
--------------------------------------------------------------------------------

4. أطروحة جون راولز: القيمة في سياق العدالة كإنصاف

يؤطر جون راولز مفهوم الشخص ضمن سياق الفكر الديمقراطي والعدالة كإنصاف. وبالعودة إلى السياق التاريخي لدى اليونان قديماً، يوضح راولز كيف أن الشخص يُعرف بدوره ووظيفته الاجتماعية التي تؤثر إيجاباً في التنمية. فالشخص هو "مواطن حر وعضو فعال" داخل نظام تعاوني مستدام.

يربط راولز قيمة الشخص بتوافر كفاءتين أخلاقيتين رئيستين:

  1. القدرة على تملك حس للعدالة: وهي الكفاءة التي تضمن احترام القواعد والقوانين العمومية، مما يتيح التعاون مع الآخرين في إطار من "الندية والإنصاف".
  2. امتلاك تصور معين للخير: ويتمثل في تمثل الشخص لغايات كبرى تعطي لحياته معنى، وتحدد مساره في علاقته بالجماعات والمنظمات، شريطة انسجام هذا التصور مع الغايات الكبرى للمجتمع لضمان عدم التضارب.
إن القيمة عند راولز هي قيمة تعاقدية؛ تنبثق من انفتاح الشخص على الآخرين ومساهمته النشطة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مما يجعله نداً حراً في مجتمع عادل.

--------------------------------------------------------------------------------

5. التحليل المقارن والتركيب (النتائج المستخلصة)

الفيلسوف
مصدر القيمة
طبيعة الشخص
كانط
القيمة داخلية/ذاتية (الكرامة)
غاية في ذاته (كائن أخلاقي متعالٍ)
هيغل
القيمة خارجية/مؤسساتية (الامتثال)
فاعل أخلاقي عبر الامتثال المؤسساتي
راولز
القيمة تعاقدية/تشاركية (المواطنة)
مواطن حر وعضو تعاوني فعال

الخلاصة التركيبية: نستخلص  أن قيمة الشخص هي مفهوم تركيبي تتكامل فيه ثلاثة أبعاد: البعد الأخلاقي الذاتي الذي يؤسس للكرامة بوصفها حقاً فطرياً (كانط)، والبعد القانوني المؤسساتي الذي يربط القيمة بالامتثال للواجب والمرتبة الاجتماعية (هيغل)، ثم البعد التعاقدي الذي يرى في القيمة ثمرة للتعاون والمواطنة الفعالة (راولز). إن هذا التكامل هو ما يضمن حماية الشخص من التحول إلى مجرد أداة، ويمنحه في الوقت ذاته فاعلية داخل المجتمع.

--------------------------------------------------------------------------------

6. معجم المفاهيم الفلسفية (بناءً على السياق)

  • القيمة: خاصية تجعل الشيء مرغوباً فيه وتمنحه أهمية؛ وقد تكون مادية (كالمال والسيارات) أو معنوية أخلاقية، وهي في النص تشير إلى الرفعة والمرتبة التي يتمتع بها الشخص.
  • الامتثال: حالة الخضوع الواعي والانضباط للقواعد والقوانين المعمول بها داخل الجماعة.
  • المرتبة: المكانة الاجتماعية التي يشغلها الفرد، والمحددة بطبيعة الدور والوظيفة التي يؤديها داخل المجتمع.
  • الواجب: إلزام قانوني وأخلاقي بالفعل في مقابل الحقوق، وهو محتم يترتب على عدم احترامه عقوبات زجرية.
  • الحرية: إرادة واختيار في غياب العوائق، ترتبط في السياق الفلسفي بالالتزام بفعل الواجب والقانون.
  • القانون: مجموعة القواعد المؤسسية، سواء كانت مكتوبة أو متعارفاً عليها، والتي تنظم حياة المجتمع وتلزم أفراده.
  • الحياة المدنية: هي، حسب هيغل، مجموع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التي تسهر على مصالح المواطنين وتضمن استقرار عيشهم.
--------------------------------------------------------------------------------

7. خاتمة:

تأسيساً على ما سبق، ينكشف لنا أن قيمة الشخص ليست معطى ناجزاً أو بسيطاً، بل هي صيرورة تتقاطع فيها الأخلاق بالقانون والاجتماع. فإذا كان كانط قد وضع الحجر الأساس لهذه القيمة عبر مفهوم الكرامة المتأصلة، فإن هيغل قد نقلها إلى حيز الفعل التاريخي عبر الواجب والامتثال، في حين توجها راولز برؤية ديمقراطية تجعل من الشخص شريكاً نداً في بناء العدالة. إن استحضار هذه الأبعاد مجتمعة هو السبيل الوحيد لفهم الوضع البشري في كليته، ولضمان صون حرمة الشخص كقيمة عليا فوق كل اعتبار مادي.

يمكن مشاهدة الشريط أسفله 👇على قناتنا


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع